27 أكتوبر 2026 - 18:06
لماذا انجذب ميشال فوكو إلى الثورة الإيرانية؟

بمناسبة مرور 100 عام على ولادته، لماذا انجذب ميشال فوكو إلى الثورة الإيرانية؟ وهل رأى فيها طاقة للتحرر تتجاوز النماذج التي رسمها "التنوير" الأوروبي؟

وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية - ابنا - 100 عام على ولادة الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو، في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1926. أحد أكثر فلاسفة القرن الــ 20 إقلاقاً للبداهات، وشغباً على الأنساق، ونزوعاً إلى تفكيك كل سلطة تدّعي الثبات.

تأثر في بداياته بالماركسية والبنيوية، ودرس على يد لويس ألتوسير، قبل أن يبلور مشروعاً نقدياً مستقلاً ارتبط بالبنيوية وما بعدها، من دون أن ينتمي إلى التفكيكية بوصفها مذهباً فلسفياً. عبر الأركيولوجيا والجينيالوجيا شق طريقه وتتبع كيف تصوغ المجتمعات حقائقها ومؤسساتها، وتنتج في الوقت نفسه أشكال الخضوع والمقاومة.

نتذكر ميشال فوكو بوصفه فيلسوفاً جعل من البداهات موضع شكّ، ومن التاريخ أداة لكشف ما أخفته صورة العقل عن نفسها. تشكّل فكره عند تخوم البنيوية وما بعدها، مستنداً إلى مطرقة فريدريك نيتشه، وموظفاً الأركيولوجيا للكشف عن الشروط التاريخية التي تجعل أنماطاً معينة من المعرفة ممكنة، والجينيالوجيا لتتبّع نشأة الممارسات والمعايير عبر الصراعات وعلاقات القوى، ومتماهياً مع أدب رأى فيه قدرة على طرق أبواب اللامعقول والدخول إلى مناطقه القصية. هناك حيث تتعثر الفلسفة أمام ما يفيض عن مفاهيمها، وحيث يفتح جنون أنتونين أرتو في اللغة شقّاً على التجربة والحدّ والصمت.

فتحت إيران، في أفق فوكو، نافذة على حداثة تتعدد مساراتها، وتستمدّ مفرداتها من تقاليد روحية وتاريخية شتى. أظهرت الثورة أن الحرية والكرامة والعدالة تجد في هذه التقاليد لغة تعبّر عنها، وأن السياسة تستمدّ طاقتها من مخيال الشعوب وذاكرتها، ومن قدرتها على ابتكار أشكال جديدة للفعل والتحرر.

تنهض الحجة الأساسية في مشروع ميشال فوكو على مساءلة مركزية الغرب، وعلى نقد "الذات العارفة" التي يتوهمها الكوجيتو الديكارتي شفافة ومكتفية بنفسها. الإنسان، في قراءة فوكو، يتكوّن داخل تاريخ من المعارف والمؤسسات والعلاقات، وتستحيل دعوى العقل الكوني المحايد إلى موضوع للفحص حين نرى كيف رسمت أوروبا حدود العقل والجنون، ومنحت "اللوغوس" سلطة الفصل بين الكلام المقبول والصوت المقصى.

من هذا المنعطف بوسعنا أن نفهم انجذابه إلى الجنون ورفض السلطات المركزية والأهم: الثورة الإيرانية. لقد رأى فوكو في الثورة على الشاه وفي قوّة روحانيتها احتمالاً سياسياً يخرج من أفق الغرب، ويستمد لغته من تجربة تاريخية مختلفة، ويمكن قراءة انجذابه إليها أيضاً بوصفه انفتاحاً على إمكان حداثة ذات جذور محلية ومسار تاريخي خاص، خارج التصورات التي تجعل النموذج الأوروبي معياراً كونياً وحيداً.

السلطة: حين تصبح المراقبة أسلوباً للحياة

في المراقبة والعقاب، كتب فوكو تاريخ السجن الحديث، وقرأ تحوّل العقاب من تعذيب علني للجسد كما اعتادت ممارسته السلطات في حقبة معينة إلى تقنيات أكثر انتظاماً في المراقبة والتقويم كما هو الحال في العصر الحديث. يتكثف السجن عند فوكو في بنية تتردد أصداؤها في المدرسة والثكنة والمصنع والمستشفى، على سبيل المثال في جداول تضبط الوقت، وامتحانات تقيس الأداء، وسجلات تحوّل الفرد إلى حالة قابلة للمعرفة والتصنيف.

هكذا أصبحت السلطة جزءاً من نسيج الحياة اليومية، تسكن الترتيب والنظام وتشكيل العادات، وتستقر في قدرة المؤسسة على جعل الإنسان يراقب الآخر بل حتى يراقب نفسه.

رأى فوكو أن السلطة لا تختزل في بؤرة واحدة أو مركز ثابت، بل تتوزّع عبر شبكة متداخلة من العلاقات. ومن هنا، لا تكون المعرفة مجرد أداة تخدم السلطة وتضمن استمرارها، بل تنشأ بينهما علاقة متبادلة: فالسلطة تسهم في تشكيل مجالات المعرفة، والمعرفة بدورها تنتج آثاراً في علاقات السلطة وتعيد تنظيمها. ذلك أن المعرفة الطبية، مثلاً، تصف الجسد وتحدّد معايير صحته، والمعرفة المدرسية تمتحن التلميذ وتقيسه وتضعه في مراتب.

وعليه، فما يظهر لنا بوصفه حقيقة موضوعية يستدعي مساءلة الشروط التاريخية والمؤسسية التي أسهمت في إنتاجه وتداوله، من دون أن يعني ذلك نفي وجود الحقيقة نفسها. على أنّ هذه المؤسسات تمنح بعض الأصوات حقّ التسمية، وتدفع أخرى إلى هامش الصمت.

تأثر فوكو بالثورة الإيرانية بوصفها حدثاً فتح أسئلته على أفقٍ جديد، فالمسألة في كتاباته الإيرانية هي الروحانية التي رآها تحرّك الجماعة، وما كشفته التجربة عن إمكانات سياسية خارج النموذج الغربي. لقد كان مفتوناً بما مثّله الحدث من احتمال تاريخي، وبالطاقة الروحية التي رأى أنها تصنعه.

عند فوكو، تنبثق السياسة مما هو أعمق من القرارات الصادرة عن الدولة. إنها شبكة من العلاقات التي تنظّم الأجساد وتراقبها وتضبطها، فتنتج بذلك الذوات وتعلّمها كيف تفهم نفسها وترى العالم.

استلهم فوكو الجينيالوجيا من نيتشه، وجعلها حفراً في تاريخ الحاضر: تتبّعاً لكيفية نشوء المؤسسات والمعايير عبر المصادفات والانقطاعات والصراعات وتنازع القوى. غاية هذا المنهج زعزعة صورة الأصل النقيّ والمسار الحتمي، وإظهار أن ما يبدو طبيعياً أو موضوعياً تَكَوَّن في شروط تاريخية مخصوصة، وأن هذه الشروط قابلة للتحوّل وإعادة التشكيل.

هكذا يغدو التاريخ نقداً للحاضر، ويفتح أمامه إمكانات لم تكن ظاهرة في روايته المهيمنة.

تجاور هذه الحفريات حساسية أدبية عند فوكو ترى في اللغة ميداناً للتجربة والاختبار. عند أنتونين أرتو، وفي تأملات فوكو في الجنون واللغة، تنفتح الكتابة على تخوم المعقول، حيث تهتزّ الحدود التي رسمتها الثقافة بين القول المقبول والصوت المقصى.

تغدو الصرخة سؤالاً فلسفياً عن شروط الكلام، وعن السلطة التي تمنح بعض الأصوات حق الظهور وتحجب أصواتاً أخرى. بهذا المعنى، يدفع الأدب الفكر إلى امتحان حدوده، ويكشف ما يستبعده النظام العقلاني كي يحفظ تماسكه.

ومن هذا الارتياب في بداهات النظام تنبثق سياسة فوكو. إنّ السلطة علاقة متحركة، تنطوي على إمكان مقاومتها وإعادة ترتيبها، أما الحرية فهي ممارسة تتكوّن داخل هذه العلاقات، عبر مقاومة التطبيع، وابتكار طرائق أخرى للعيش، والعمل على الذات لتوسيع إمكاناتها خارج الصورة التي تصوغها المؤسسة لها.

إيران: الروحانية بوصفها أفقاً سياسياً

في خريف عام 1978، وصل فوكو إلى إيران كمراسل لصحيفة "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية. كان نظام الشاه يواجه انتفاضة شعبية تتسع رقعتها، وكان العنف يخيّم على الشوارع. تنقّل فوكو بين المدن، واستمع إلى المشاركين في الحركة، وكتب سلسلة من المقالات عن ثورة بدت له غريبة على معايير السياسة الأوروبية. عاد إلى إيران في زيارة ثانية، وظل يتابع الحدث حتى بدايات عام 1979، حين سقط الشاه وارتسمت ملامح النظام الجديد.

ما أدهشه في الانتفاضة أن الدين لم يظهر عند المشاركين بقايا من زمن يتراجع، وإنما لغة حية للتعبئة والرفض، ووعاء لرغبة في تغيير الحياة.

قرأ فوكو في المشهد تلاقي السياسة بالروح، وتحول الفرد من متفرج على التاريخ إلى ذات تخاطر كي تشارك في صنعه. ومن هنا صاغ مفهوم "الروحانية السياسية"، بوصفه تسمية لثورة يتشابك فيها إسقاط السلطة مع تحوّل الإنسان في علاقته بالخوف والطاعة والمصير، وتصبح فيها السياسة تجربة تمسّ معنى الوجود اليومي.

لقد رأى فوكو في الثورة الإيرانية امتحاناً لفكرة الحداثة حين تُقدَّم بوصفها طريقاً واحداً مرسوماً من أوروبا إلى العالم. كانت الثورة تطرح، في قراءته، أفقاً قد تنبثق فيه مطالب الحرية والكرامة من مرجعية دينية، ومن تاريخ محلي، ومن صور للجماعة لا تترجمها مفردات "التنوير الأوروبي" ترجمة كاملة.

ما أدهش فوكو في الانتفاضة أن الدين لم يظهر عند المشاركين بقايا من زمن يتراجع، وإنما لغة حية للتعبئة والرفض، ووعاء لرغبة في تغيير الحياة.

ومن الممكن تفسير انجذابه إلى هذا الأفق بوصفه بحثاً عن احتمال حداثة ذات خصوصية تاريخية، لا بوصفه مشروعاً متكاملاً لـ"حداثة أصيلة" صاغه فوكو بصورة مباشرة. فالحداثة، في هذا التأويل، اندفاع نحو الحاضر وانشغال نقدي بشؤونه، بحثاً عن نهوض اجتماعي يتيح بناء مستقبل تُسمع فيه أصداء التراث، من دون أن يكون استنساخاً للمسار الأوروبي.

تأثّر فوكو بالثورة الإيرانية بوصفها حدثاً فتح أسئلته على أفق جديد، فالمسألة في كتاباته الإيرانية هي الروحانية التي رآها تحرّك الجماعة، وما كشفته التجربة عن إمكاناتٍ سياسية خارج النموذج الغربي. لقد كان مفتوناً بما مثّله الحدث من احتمالٍ تاريخي، وبالطاقة الروحية التي رأى أنها تصنعه.

روحانية الثورة وأفق التحرر

تجلّت شجاعة فوكو في إصغائه إلى الثورة الإيرانية خارج القوالب الأوروبية، وفي اقترابه من اللاهوت بوصفه قوة تحرّك الشعوب وتمنح فعلها الجماعي معنى وليس أفيوناً لها.

لقد قرأ الانتفاضة لحظة نادرة يخرج فيها الناس إلى التاريخ حاملين توقاً يتجاوز المطلب السياسي، ومتشبثين بحقهم في صوغ المستقبل بلغتهم وعلى إيقاع تجربتهم.

استلهم فوكو الجينيالوجيا من نيتشه، وجعلها حفراً في تاريخ الحاضر: تتبّعاً لكيفية نشوء المؤسسات والمعايير عبر المصادفات والانقطاعات والصراعات وتنازع القوى. غاية هذا المنهج زعزعة صورة الأصل النقيّ والمسار الحتمي، وإظهار أن ما يبدو طبيعياً أو موضوعياً تَكَوَّن في شروط تاريخية مخصوصة، وأن هذه الشروط قابلة للتحوّل وإعادة التشكيل.

فتحت إيران، في أفق فوكو، نافذة على حداثة تتعدد مساراتها، وتستمدّ مفرداتها من تقاليد روحية وتاريخية شتى. أظهرت الثورة أن الحرية والكرامة والعدالة تجد في هذه التقاليد لغة تعبّر عنها، وأن السياسة تستمد طاقتها من مخيال الشعوب وذاكرتها، ومن قدرتها على ابتكار أشكال جديدة للفعل والتحرر.

في مئويته، نستعيد فوكو وقد التقط في الثورة وعداً بتوسيع أفق الممكن، وأعاد إلى الفكر سؤالاً حيوياً عن تعدد طرائق التحرر. بين روحانية الشوارع الإيرانية، ومطرقة نيتشه، وجنون أرتو، ظلّ يتعقّب اللحظات التي يتجاوز فيها الحاضر حدوده، وتنبثق من قلب التاريخ إمكانات جديدة للحياة والسياسة.

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha